بازگشت

حقوق الرحم


وفي استعراضه للحقوق وجه الإمام (عليه السّلام) نظرة صائبة نحو الأرحام وأدلي بحقوقهم.



21 - حق الأم:



(فحق أمك أن تعلم أنها حملتك، حيث لا يحمل أحداً أحداً، وأطعمتك من ثمرة قلبها ما لا يطعم أحد أحداً، وأنها وقتك بسمعها وبصرها، ويدها ورجلها وشعرها وبشرها، وجميع جوارحها، مستبشرة بذلك، فرحة موبلة(1) محتملة لما فيه مكروهها، وألمها، وثقلها وغمها حتي دفعتها عنك يد القدرة، وأخرجتك إلي الأرض، فرضيت أن تشبع وتجوع هي، وتكسوك وتعري، وترويك وتظمأ، وتظلك وتضحي وتنعمك لبؤسها، وتلذذك بالنوم بأرقها، وكان بطنها لك وعاء وحجرها لك حواء(2).



وثديها لك سقاءً، ونفسها لك وقاءً، تباشر حر الدنيا وبردها لك ودونك، فتشكرها علي قدر ذلك، ولا تقدر عليه إلا بعون الله وتوفيقه..).



الأم: هذه الكلمة العذبة، الطيبة التي تفيض عطفاً وحناناً، وحباً وإخلاصاً، وتضحية وإيثار. وإنها تمثل العطاء بمدلوله الإسلامي الإنساني فيها تتجسد كل معاني الخير، ومن نفسها تقدم أعلي ما عندها راغبة في العطاء، تقدم سعادتها وراحتها وقلبها ونفسها وكل ما تطاله يدها دون منٍّ ولا جزاء.



حملت وليدها وهناً علي وهن وأطعمته من ثمرة قلبها وروته من صدرها، فكانت تضعف ليقوي وتبذل ليشتد. لقد أشغلت سمعها وبصرها ويدها ورجلها وبشرها وجميع جوارحها، كل ذلك قدمته راغبة لئلا يتأذي أو يتضرر وليدها.



وبعد الحمل والخروج إلي عالم النور لم تكتف الأم الحنون عن تقديم عطاياها بل سلكت مسلك الإيثار بأجمل صوره وأجلها، فبذلت جميع طاقاتها للحفاظ عليه والسهر علي راحته إلي أن يكبر ويأخذ طريقه في الحياة والإمام زين العابدين في رسالته الكريمة شرح واقع الحال عندها ودفع الولد إلي شكرها علي ما قدمته من جميل وهذه كانت وصية الله في كتابه الكريم. قال تعالي: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير)(3).



ما أعجز الإنسان عن أداء حقوق أمه، وإذا قدم لها جميع الخدمات والمبرات لما أدي أبسط شيء من حقوقها (فيا رضا الله ورضا الوالدين).



22 - حق الأب:



(وأما حق أبيك فتعلم أنه أصلك، وأنك فرعه، وأنك لولاه لم تكن



فمهما رأيت في نفسك ما يعجبك فاعلم أن أباك أصل النعمة عليك فيه، واحمد الله واشكره علي قدر ذلك، ولا قوة إلا بالله..).



أولي الإسلام ركنا الأسرة اهتماماً كبيراً، وأما حق الأب علي الولد فهو كبير أيضاً كحق الأم. فالأب يسعي في تحصيل لقمة العيش له ولأسرته فيبذل جهداً كبيراً يتحمل مشقات كثيرة من أجل إسعاد أولاده.



الأب يمثل الأصل والابن يمثل الفرع، ولا وجود للفرع دون الأصل لأنه السبب في وجوده ونموه وازدهاره.



وما نراه اليوم أن الفرع قد يطغي علي الأصل، فيري الابن نفسه أكبر من أبيه وأكثر فهماً وتطوراً فيتطاول علي الوالدين وينال من كرامتهما ناسياً أنه من تربية أيديهما ونتاج فضلهما وثمرة لوجودهما.



هذا النوع من الأنباء هو الإنسان عاق منحرف ابتعد عن الصواب وغفل عن وصية الله له التي تحث الأولاد علي طاعة الوالدين واحترامهما. قال تعالي: (وقضي ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)(4).



والإسلام دعا إلي تمتين روابط الرحم بين أفراد الأسرة الواحدة فالولد البار يقوم بأداء حق الوالدين ويطيعهما ويوفر لهما كل أسباب الرضا فلا يفحش في الكلام لهم ولا يغلظ وإنما المعاملة بالعطف والرقة وخفض الجناح والكلام الطيب ولئن كانت الكلمة الطيبة صدقة فإنها في حق الوالدين أكبر من الصدقة وأنبل. ورد في أحكام القرآن لأبي بكر ابن عربي الأندلسي ج2 ص35، أن شيخاً قال أبياتاً يعتب فيها علي ولده قرأها علي النبي (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وهي:



غــــــذوتك مــولوداً وقد كنت يافعاً تعــــــل بــــــما أحني عليك وتنهل



إذا ليلة ضافـــتك بـــالسقم لم أبت لسقــــــمك إلا ســـــــــاهراً أتململ



كأنـــــي أنا المطروق دونك بالذي طـــــــرقت بـــه دوني فعيني تهمل



تخــــاف الردي نفسي عليك وإنها لتعـــــلم أن المــــــوت وقت مؤجل



فلما بلغــــــت الســن والغاية التي إليـــــــك مـــدي ما فيك كنت أؤمل



جعــــــلت جـــزائي غلظة وفظاظة كأنـــــــك أنــــــت المنعم المتفضل



فليـــــتك إذ لـــــــم ترع حق أبوتي فعلـــــت كـما الجار المجاور يفعل



فلما سمع النبي (صلّي الله عليه وآله وسلّم) هذه الأبيات قال للولد: (أنت ومالك لأبيك).



23 - حق الولد:



(وأما حق ولدك فتعلم أنه منك، ومضاف إليك، في عاجل الدنيا بخيره وشره، وأنك مسؤول عما وليته من حسن الأدب، والدلالة علي ربه، والمعونة علي طاعته فيك وفي نفسه فمثاب علي ذلك، ومعاقب، فاعمل في أمره عمل المتزين بحسن أثره عليه في عاجل الدنيا المعذور إلي ربه في ما بينه وبينه بحسن القيام عليه، والأخذ له منه ولا قوة إلا بالله..).



الولد قطعة من الكبد بل هو الكبد كله. قال أمير المؤمنين في وصيته لابنه الحسن (عليهما السّلام): (ووجدتك بعضي بل وجدتك كلي، حتي كأن شيئاً لو أصابك أصابني وكأن الموت لو أتاك أتاني، فعناني من أمرك ما يعنيني من أمر نفسي) والولد هو امتداد لحياة أبيه، واستمرار لوجوده هو بعضه بل هو كله. من هذا المنطلق يبادر الأب إلي الحفاظ علي أولاده فيقوم بإعالتهم من مأكل ومطعم وكساء. وهذا العمل هو جزء كبير من الواجبات المطلوبة من الوالد. ولم يقتصر واجبه عند هذا الحد من الواجبات المادية بل عليه واجب أكبر في تربية أولاده تربية إسلامية فاضلة، فيغرس في أعماقه النزعات الكريمة، ويعوده علي العادات الحسنة ويجنبه الرذائل ويقيم له الأدلة علي الخالق العظيم الذي يملك كل شيء وبذلك يكون قد أدي واجبه نحو أسرته ونحو مجتمعه فالأسرة الصالحة لبنة في بناء مجتمع صالح وإن أخفق فهو مسؤول أمام الله تعالي، ومعاقب علي ذلك.



والإمام زين العابدين يبين أن القضية ليست نتاج فحسب بل هي مسؤولية وحساب فالولد يعيد وجود أبيه فإن كان صالحاً براً تقياً نسب إلي أبيه، وإن كان شقياً طالحاً نسب أليه أيضاً فالإمام (عليه السّلام) يستثير في الوالد مكامن العز ويحرك في نفسه حب الاستمرارية في الحياة فإن أحسن تربيته يكون قد حقق لنفسه السمعة الطيبة والأحدوثة الحسنة، من هنا كان القول المأثور: (الولد سر أبيه).



24 - حق الأخ:



(وأما حق أخيك فتعلم أنه يدك التي تبسطها، وظهرك الذي تلتجئ إليه، وعزك الذي تعتمد عليه، وقوتك التي تصول بها فلا تتخذه سلاحاً علي معصيته، ولا عدة للظلم بحق الله(5)، ولا تدع نصرته علي نفسه، ومعونته علي عدوه، والحول بينه وبين شياطينه وتأدية النصيحة إليه، والإقبال عليه في الله، فإن انقاد لربه وأحسن الإجابة له، وإلا فليكن الله آثر عندك(6)، وأكرم عليك منه..).



الإسلام كدين إنساني اجتماعي جاء ليشد أواصر القربي ويقوي العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، فشرع قانون الأخوة الإسلامية، الأخوة في الله، فمهما تباعدت البلاد ونأت الديار نجد المسلم العربي يفرح للقاء أخيه الهندي أو الإيراني أو المصري أو السوري أو العراقي أو الجزائري... أو أي أخ من بلد عربي مسلم آخر. وذلك تحت ظلال الأخوة الإسلامية (وإنما المؤمنون إخوة).



هذه الأخوة تتوثق أكثر إذا انضمت إليها أخوة النسب فإنهما تتآلفان وتتساندان في طريق الحق والإيمان، لكن أخوة النسب لا يقيم لها الإسلام وزناً إذا لم تكن ضمن الخط الإسلامي وفي طريق تقوي الله.



والإمام زين العابدين (عليه السّلام) يلقيننا درساً من دروس الإسلام في التربية الاجتماعية فبلغت أنظارنا أن الأخ يد لأخيه وعز ومنعة وقوة له، هو سنده في الملمات وشريكه في السراء والضراء وله من الحقوق مايلي:



1 - أن لا يتخذه سلاحاً علي المعاصي (وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان) ولا يستعين به علي ظلم الناس والاعتداء عليهم بغير حق.



2 - أن يرشده إلي سبل الخير ويهديه إلي طريق الرشاد.



3 - أن يعينه علي (الوسواس الخناس) ويحذره منه، ويخوفه من عقاب الله تعالي، يوم لا ينفع لا مال ولا بنون إلا ما أتي الله بقلب سليم.



4 - أن ينصحه في أمور آخرته ودنياه، فإن أطاعه وانقاد للحق فذاك، وإلا فليعرض عنه، ولا يتصل به لأنه عصي الله وليكن سبحانه وتعالي أكرم عليك منه وآثر لديك.

پاورقي

1 - موبلة: مواظبة ومستمرة.



2 - الحواء: ما يحتوي الشيء ويحيط به.



3 - سورة لقمان: الآية 14.



4 - سورة الإسراء: الآية24.



5 - ورد في نسخة أخري: (للظلم لخلق الله).



6 - أثر عندك: أفضل وأولي.